ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

17

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور

فإنه يكون في غاية الحسن والرونق ، وهذا لا خفاء به . وأما النوع الرابع وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور ، فإن فيه للمؤلف فوائد جمة ؛ وذلك أن يعلم منه أغراض الناس ونتائج أفكارهم ، ويعرف مقاصد كل فريق منهم ، والى أين ترامت به صنعته في ذلك ، فإن هذه الأشياء مما تشحذ القريحة ، وتذكي الفطنة . وإذا كان المؤلف عارفاً بها تصير المعاني ، التي ذكرها أرباب هذه الصناعة ، وتعبوا في استخراجها كالشئ الملقى بين يديه ، يأخذ منه ما أراد ، ويترك ما أراد . وأيضاً فإنه إذا كان مطلعاً على المعاني المسبوق إليها ، فقد ينقدح له من بينها معنى غريب ، لم يسبق ( إليه ) . ومن المعلوم أن خواطر المؤلفين وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة ، فإن بعضها قد يكون عالياً على بعض ، أو منحطاً عنه بشيء يسير . وكثيراً ما تتساوى القرائح والأفكار ، في الإتيان بالمعاني ، حتى إن بعض المؤلفين قد يأتي بمعنى من المعاني مصوغاً بلفظه ، ثم يأتي الآخر بعده ، بذلك المعنى واللفظ ، بعينهما ، من غير علم منه بما جاء به المؤلف الأول ، وهذا هو الذي تسميه أرباب هذه الصناعة ( وقع الحافر على الحافر ) كقول امرئ القيس : وقوفاً بها صحبي عليّ مطيُّهم . . . يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتَجمَّلِ وقول طرفة بن العبد البكري بعده : وقوفاً بها صحبي علي مطيُّهم . . . يقولون لا تَهْلِكْ أسىً وتَجلَّدِ وسيأتي لذلك باب مفرد في كتابنا هذا . وأما النوع الخامس ، وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة ، وغير ذلك ،